أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
302
الكامل في اللغة والأدب
تأبى ذلك قتلى لم تجنّ « 1 » وقروح لم تتقرّف ونحن والقوم على حالة ، وهم يرقبون منا حالات إن طمعوا حاربوا وإن ملوا وقفوا وإن يئسوا انصرفوا ، وعلينا أن نقاتلهم إذا قاتلوا ونتحرّز إذا وقفوا ، ونطلب إذا هربوا ، فإن تركتني والرأي كان القرن مقصوما ، والداء بإذن اللّه محسوما ، وإن أعجلتني لم أطعك ولم أعص وجعلت وجهي إلى بابك ، وإنا أعوذ باللّه من سخط اللّه ومقت الناس . ما قاله عبد ربه لأصحابه مع اشتداد الحصار ولما اشتد الحصار على عبد ربه ، قال لأصحابه : لا تفتقروا إلى من ذهب عنكم من الرجال ، فإن المسلم لا يفتقر مع الإسلام إلى غيره ، والمسلم إذا صح توحيده عزّ بربّه ، وقد أراحكم اللّه من غلظة قطريّ وعجلة صالح بن مخراق ونخوته ، واختلاط عبيدة بن هلال ووكلكم إلى بصائركم ، فالقوا عدوّكم بصبر ونية ، وانتقلوا عن منزلكم هذا . من قتل منكم قتل شهيدا ، ومن سلم من القتل فهو المحروم . وقدم في هذا الوقت على المهلّب عبيد بن أبي ربيعة بن أبي الصلت الثقفيّ يستحثّه بالقتال ، ومعه أمينان ، فقال له : خالفت وصية الأمير وآثرت المدافعة والمطاولة ، فقال له المهلب : ما تركت جهدا . فلما كان العشيّ خرج الأزارقة ، وقد حملوا حرمهم وأموالهم وخفّ متاعهم لينتقلوا ، فقال المهلّب لأصحابه : الزموا مصافّكم وأشرعوا رماحكم ودعوهم والذهاب . فقال له عبيد : هذا لعمري أيسر عليك ، فقال للناس : ردّوهم عن وجهتهم ، وقال لبنيه : تفرّقوا في الناس . وقال لعبيد بن أبي ربيعة : كن مع يزيد فخذه بالمحاربة أشد الأخذ . وقال لأحد الأمينين : كن مع المغيرة ولا ترخّص له في الفتور . فاقتتلوا قتالا شديدا حتى عقرت الدواب ، وصرع الفرسان ، وقتلت الرجال ، فجعلت الخوارج تقاتل على القدح يؤخذ منها والسوط والعلق « 2 » الخسيس أشدّ قتال ، وسقط رمح لرجل من مراد من
--> ( 1 ) لم تجن : لم تستر ولم تدفن . ( 2 ) العلق بالكسر وبفتح الحراب أو الترس أو السيف .